أحمد بن محمود السيواسي

110

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

أنقربهن أم لا « 1 » ؟ أي يسألونك عن الوطئ في زمان الحيض ، فيكون المحيض اسم الزمان هنا ( قُلْ هُوَ ) أي الدم ( أَذىً ) أي شيء نجس يؤذي من يقربه مجامعا ( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ) أي اتركوا مجامعتهن أيام حيضهن ( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ ) بالجماع ( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) بفتح الطاء والهاء مع التشديد ، أي يغتسلن ، وبسكون الطاء وضم الهاء مع التخفيف « 2 » ، أي يطهرن من المحيض وينقطع دمهن ، قيل : إذا انقطع الدم في أقل من عشرة لا يجوز قربانها ما لم يغتسل أو يمضي عليها وقت الصلاة ، فإذا تمت العشرة وانقطع الدم جاز أن يقربها ، وعند الشافعي رضي اللّه عنه لا يجوز ما لم تغتسل « 3 » ( فَإِذا تَطَهَّرْنَ ) أي اغتسلن ( فَأْتُوهُنَّ ) أي جامعوهن ( مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ) أي من الفرج ولا تعدوه ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ) من الشرك والذنوب ( وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) [ 222 ] أي المغتسلين بالماء من الجناية والأحداث أي المتنزهين من اتيانهن في الحيض أو في أدبارهن . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 223 ] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 223 ) قوله ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) أي مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات في موقع البيان لقوله « مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ » « 4 » ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ) أي نساءكم في محل الزرع وهو القبل ( أَنَّى شِئْتُمْ ) أي كيف أردتم مستقبلين أو مستدبرين بعد أن كان المأتي واحدا ، وهو موضع الحرث فيه تحريم الأدبار وتحليل الإقبال لطلب النسل لا لقضاء الشهوة ، قال عليه السّلام : « ملعون من أتى امرأة في دبرها » « 5 » ( وَقَدِّمُوا ) أي الأعمال الصالحة ( لِأَنْفُسِكُمْ ) أي لا تعملوا المناهي أو قدموا التسمية على الوطئ أو طلب الولد ، قال عليه السّلام : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية بعده أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له » « 6 » ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) أي اخشوه على كل حال من عمل السيئة ( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ) أي صائرون إليه فاستعدوا له بما لا تفتضحون به ( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) [ 223 ] يا محمد ، أي الذين يصدقون بوعده تعالى ويحافظون حدوده . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 224 ] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) قوله ( وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً ) أي علة معترضة ( لِأَيْمانِكُمْ ) جمع يمين ، والمراد هنا المحلوف عليه ، وسمي به لملابسة اليمين ، فاللام يتعلق ب « عُرْضَةً » لما فيها من معنى الاعتراض ، ويجوز أن يتعلق بالفعل ، والمعنى : ولا تجعلوا اللّه حاجزا لما حلفتم عليه باليمين باللّه على ترك فعل الخير من الإحسان لأحد أو صلة الرحم وإصلاح ذات البين و « 7 » العبادة كالصوم والصلاة « 8 » أو غير ذلك من الخيرات ، فيقولون : نحن حلفنا باللّه فنخاف من اليمين به ان نفعله فنحنث في يميننا ، ومحل قوله ( أَنْ تَبَرُّوا ) أي لأن لا تحسنوا ، نصب على أنه مفعول له ، وكذا ( وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ) أي لأن لا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس أو بتقدير كراهة أن تبرؤا ، نزل في عبد اللّه بن رواحة الأنصاري حين حلف أن لا يدخل على ختنه بشر بن نعمان ولا يكلمه ، فجعل يقول حلفت باللّه أن لا أفعل ولا يحل لي إلا أن أبر في يميني « 9 » فصارت الآية عامة في كل من كان يحلف باللّه أن لا يحسن أحدا ولا يتقي من العصيان ، فيعمل ما اشتهت نفسه وأن لا يصلح بين الناس إذا وقعت فيهم العداوة والبغضاء ، فقال تعالى

--> ( 1 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 205 . ( 2 ) « يطهرن » : قرأ شعبة والأخوان وخلف بفتح الطاء والهاء مع التشديد فيهما ، والباقون بسكون الطاء وضم الهاء مخففة . البدور الزاهرة ، 49 . ( 3 ) تغتسل ، ب م : يغتسل ، س . اختصره من السمرقندي ، والكشاف ، انظر السمرقندي ، 1 / 205 ؛ والكشاف ، 1 / 129 . ( 4 ) البقرة ( 2 ) ، 222 . ( 5 ) انظر السمرقندي ، 1 / 206 ؛ والبغوي ، 1 / 296 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 6 ) رواه مسلم ، الوصية ، 14 ؛ وأبو داود ، الوصايا ، 14 ؛ والترمذي ، الأحكام ، 36 ؛ والنسائي ، الوصايا ، 8 ؛ وأحمد بن حنبل ، 2 / 372 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 297 . ( 7 ) و ، ب م : أو ، س . ( 8 ) والصلاة ، س م : - ب . ( 9 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 206 ؛ والواحدي ، 65 ؛ والبغوي ، 297 .